عمارة مكتب “سنوهيتا”

25

يعيد مكتب “سنوهيتا” المعماري، الحدث الذي أمسى “مألوفاً” في الخطاب المعماري العالمي، المتمثل بارتقاء مفاجئ لمعماريين شباب، غالباً ما يكونوا مغمورين، ناصية “المجد” المعماري، وببزوغ مهني يعشي الأبصار!

فعندما فاز مكتب “سنوهيتا” في المسابقة الدولية لتصميم مبنى مكتبة الاسكندرية بمصر في عام 1989، لم يكن أحد يعرف من قبل هذه المجموعة المعمارية، تماماً، مثلما لم يكن أحد قد سمع باسم “يورن اوتزن” الدانمركي، عندما نال في عام 1957، الجائزة الأولى في مسابقة مبنى دار أوبرا سدني، بأستراليا، ومثلما، أيضاً، لم يك أحد يعلم بوجود “زهاء حديد”، حينما فازت، هي الأخرى، بالجائزة الأولى في مسابقة “القمة” عام 1983، وغير ذلك من الأمثلة، التي عدّ وقع أحداثها (وإن كان نادراً) أمراً معروفاً ومتداولاً في أوساط مهنية عديدة.

وبخصوص “سنوهيتا”، فإننا نتحدث عن شباب في العشرينات من أعمارهم، وقتذاك، اجتمعوا في لوس أنجيلوس بالولايات المتحدة، ليحققوا مثل ذلك النجاح المرموق والاستثنائي في آن!

تعود فكرة تأسيس مكتب “سنوهيتا” إلى مجموعة معماريين نرويجيين شباب، كان من ضمنهم المعمار المتخرج تواً (والذي سيضحى، لاحقاً، شخصية محورية في مكتب سنوهيتا)، كيتل تورسين (1958) Kjetil T. Thorsen. اجتمعوا فيما بينهم في مستهل عام 1987، وقرروا إنشاء مكتب استشاري، وجدوا مكاناً له في فضاء غير مشغول يقع على سطح حانة للجعة، بأحد أحياء أوسلو العاصمة النرويجية. كان اسم الحانة إياها “دوفري هولين” Dovrehallen (قاعة دوفرى)، على اسم سلسلة جبال “دوفرى” الواقعة بوسط النرويج. وقد قررت المجموعة الشبابية أن تسمي مكتبها “سنوهيتا” Snøhetta، وهي أعلى قمة في تلك السلسلة الجبلية، وتعني: “القبة الثلجية”.

وبهذة الصيغة فقد ولد مكتب (سنوهيتا للعمارة وتنسيق الحدائق)، الذي قدر له أن يكون، أحد أبرز مكاتب الاستشارة في المشهد المعماري العالمي. بيد أن ذلك سيحدث “فيما بعد”، أما الآن، في 1987، فلم يميز أحد مشاريع هذه المجموعة. ومثلما ليس هناك جرد محدد بتلك المشاريع، فإن شكوكاً تثار فيما إذا نفذ أحد منها بالفعل! لكن الأمر، سرعان ما تبدل جذرياً، عندما تقابل، “كيتل تورسين” مع “كريغ دوكاس” Craig Dykers، (المولود في سنة 1961 بفرانكفورت /ألمانيا، والحاصل على بكالوريوس عمارة من جامعة تكساس)، في لوس آنجيلوس، وقررا، بالاشتراك مع آخرين، أن يساهما في المسابقة المعمارية الدولية لتصميم مبنى مكتبة الاسكندرية بمصر، هي التي أعلن، تواً، عنها في 1989؛ على أن تكون تلك المشاركة تحت مظلة اسم “مكتب سنوهيتا للعمارة وتنسيق الحدائق” النرويجي.

وفعلاً جرى تسجيل المكتب في صيف عام 1989، كمشارك رسمي في المسابقة. وعلى إثر ذلك تم على عجل جمع فريق عمل تصميمي من النرويج والولايات المتحدة، وتم أيضاً تأجير مكان متواضع في المدينة الأمريكية للعمل على المشروع. وبعد خمسة أسابيع من العمل الجاد والمشترك، أنجز الفريق التصميمي، متطلبات المسابقة، وأُرسلت الرسوم التصميمية ومخططاتها إلى اللجنة المشرفة. بعد فترة قصيرة، ورد الخبر المفرح وغير المتوقع … بفوز “مكتب سنوهيتا للعمارة وتنسيق الحدائق” بالجائزة الأولى. وهو فوز شحذ همم جميع فرقاء المكتب، الذي بدأ “نشاطه” من سطح حانة للجعة، ليضحى اليوم واحداً من أهم مكاتب الخبرة الاستشارية المعمارية الدولية.

وعمارة هذا المكتب المميزة، هي الآن موضوعاً لمعرض معماري مقام على قاعة المعارض بمدرسة العمارة في كوبنهاغن بالدانمرك. بالطبع، عماد المواد المعروضة هي مشاريع المكتب. لكن عرض المعارض المعمارية في الوقت الحاضر، يختلف عن ما كان سابقاً. ولئن كانت المخططات التصميمية للمشاريع، في الماضي، هي المادة الأساسية مع “موديلاتها”، فإن محتويات العرض الآن مختلفة جذرياً. صحيح ثمة “ماكيتات” لا تزال ترُى من بين المعروضات، لكن جوهر العرض يبقى متمثلاً في الوسائط التفاعلية، وخصوصاً البصرية منها: مثل السينما والفيديو والبوسترات الضوئية. ومعرض مدرسة العمارة في كوبنهاغن، بالطبع، لا يشذّ عن ذلك.

في المواد المعروضة بمعرض عمارة سنوهيتا، ثمة اهتمام كبير للمشاريع “العربية”، أولاها منظمو المعرض. وهي المشاريع المصممة والمخصصة إلى البلدان العربية من قبل المكتب النرويجي إنها: “مكتبة الاسكندرية” بمصر، و”المركز الثقافي” في الظهران بالسعودية، و”مشروع بوابة رأس الخيمة” في الإمارات، والأخير مشروع ضخم ومتنوع الوظائف، تقدر مساحته بحوالي 450000 م2 يشمل فندق وقاعة اجتماعات ومركز للمعارض وغير ذلك من الفعاليات. وبخلاف مكتبة الاسكندرية التي نفذت في الواقع عام 2001، فإن المشروعين الأخيرين المعروضين لايزالا في طور الإعداد للتنفيذ.

وإذ ندرك طبيعة المقال وخصوصيته التي لا تتيح الحديث مطولاً عن قيمة المشاريع المعروضة وتقييمها، ولاسيما “العربية” منها؛ فإن كلمات سريعة عنها، سيكون أمراً مواتياً وحتى ضرورياً في مثل هذه الأحوال. ونرى أن “العنوان” الرئيس الذي تندرج المشاريع “العربية” تحته، يكمن في توق المصممين، وتطلعهم نحو حضور ثيمة “الحوار مع الآخر”، الآخر المختلف، لكنه المميز ثقافياً وجغرافياً، والأهم في هذا الحوار، النأي بعيداً عن أوهام “التمركز” الذاتي، والتغاضي، بل ونبذ أي شكل من أشكال التراتبيات. بعبارة أخرى ثمة اهتمام كبير يوليه معماريو “سنوهيتا” إلى مفاهيم المكان، والزمان، والآخر. وليس من باب الصدفة أن المشاريع التي تحضر بها مثل تلك المفاهيم، تكون عمارتها المبتدعة، ذات بعد جمالي مضاف، يكون قادراَ على اجتراح تكوينات معبرة ومميزة؛ وبالطبع استثنائية في معالجاتها التصميمية.

ويظل حدث تصميم وفوز، ومن ثم تنفيذ مكتبة الاسكندرية، يظل يمثل الحدث الأهم في “بيوغرافيا” مكتب “سنوهيتا”، ذلك الحدث الذي به تبوأ المكتب مكانته المهنية المرموقة، واكتسب بفضله اعترافاً دولياً مقدراً. ولاتزال نوعية الحلول التصميمية التي “وجدت” في المكتبة، يوما ما، تعد بمثابة “نبعاً” تكوينياً، يغرف منه معماريو المكتب، إلهامهم لحول تصميمة أخرى. ونرى في هذا الصدد، على سبيل المثال لا الحصر، ثمة “تماثلات” تكوينية ذات دلالة، بين قرار الاعتماد على مفردة “السطح” كواجهة “خامسة”، لكنها أساسية في صياغات عمارة مكتبة الاسكندرية، ونوعية القرار، المتمثل في اختيار مفردة السطح ذاتها ( بل السطوح بصيغة الجمع!)، في “أوبرا اوسلو” (2008)، لتشكل، في النهاية، موتيف معالجة عمارة المبنى إياه.

لقد كانت تجربة الاشتغال على عمارة مكتبة الاسكندرية، تجربة لا يمكن أن تنسى بسهولة من قبل “سنوهيتا”، إنها العمل المبكر الذي سيظل محسوباً واحداً من أجمل أعمال المكتب. ولهذا فقد شغل “تاريخ” تصميم وتنفيذ المبنى مساحة واسعة من معروضات المعرض، ومُنح لعرضه وسائط متنوعة فيه. ومبنى المكتبة يستحق ذلك، يستحقها لجهة عمارتها المعبرة، ولناحية تأثيراتها الملموسة على المسار التصميمي للمكتب. وقد أشرت، في دراسة مطولة لي، عن عمارة المكتبة، نشرت في سنة 2005، وأعيد نشرها في كتاب صدر ببغداد مؤخراً، من أن “… فإن سلسلة التماثلات الذهنية التي يستحضرها المرء عند رؤية الفعالية التصميمية المرئية، يجعل من عمارة مكتبة الاسكندرية الجديدة لأن تكون حدثاً تصميماً مميزاً ومؤثراً في مجمل الخطاب المعماري العالمي. كما أن هذا الأمر يدلل على أن عملية الخلق المعماري الحداثي، أو بالأحرى مابعد الحداثي، هي في الواقع عملية مضنية ومعقدة، تتطلب فيما تتطلب، الإلمام العميق في معرفة وإدراك إنجازات الحضارات المختلفة، والمقدرة الفطنة في التعاطي مع فعاليات التأويل، فضلاً على استثمار معطيات الحاضر، والاشتغال على قيم تصميمية مبتكرة والتركيز على تطلعاتها المستقبلية؛ وليس كما يروجّ، من أن نتاج عمارة ما بعد الحداثة، ما هو إلا محض قطيعة، وقطيعة مطلقة مع كل ما أنتجته الإنسانية سابقاً. في حين يبين منجز عمارة مكتبة الاسكندرية الجديدة، كمجز معماري ما بعد حداثي بامتياز، من أن “القطيعة” التي يتردد ذكرها دوماً في أدبيات النقد الخالي من الموضوعية، هي ليس سوى، قطيعة “ابستمولوجية” مع كل ما هو عادي، ومبتذل، وعابر في المشهد البنائي!” (خالد السلطاني، عمارة ومعماريون، بغداد 2009).

نشاهد في المعرض، أيضاً، تصاميم أخرى، اشتغل المكتب عليها في الفترات الأخيرة الماضية. منها على سبيل المثال “متحف الفن في ليليهامر” بالنرويج. ويأسر التصميمم الذي نفذ في عام 1994، بلغته المعمارية الممّيزة، وقراراته التكوينية الواضحة، المتجسدة في كتلتين، إحداهما تنعم بمخطط بسيط ذات هندسية منتظمة، والأخرى تنزع بفورمها نحو العضوية. وهذه الخاصية التصميمية للمبنى ذات الجذر العقلاني، التي تسمح لنفسها أن تجاور، وباتساق مقبول، السمات العضوية للتكوين، تذكرنا بأعمال “آلفار آلتو”، والتي يبدو أن المعماريين الاسكندينافيين، ما انفكوا يعتبرون عمارته، وهم على حق، مرجعا تصميماً رصيناً.

يخرج مشاهدو المعرض الخاص بأعمال مكتب “سنوهيتا” (وهم قلة، مع الأسف، رغم أنه يعرض في أوساط طلابية، معروف عنها شغفها الابستمولوجي)، بانطباعات أخمن إنها مفرحة لجهة اللقاء، وجهاً لوجه، بمشاريع ذات نوعية مهنية عالية، وبنفس احترافي واضح، وفرادة مقاربات تصميمية. أخرج أنا، أيضاً، مغموراً بذلك الانطباع، مضافاً إليه تساؤل أراه مشروعاً، أعيد طرحه على نفسي وعلى آخرين. سؤال عن جدوى “السرديات” الكبرى، الوهمية والخادعة، التي شغلت الديكتاتوريات الحاكمة، شعوبها بها، فقط لأجل تغذية نسغ ديمومة حكمها الشمولي؛ والتي جعلت مجتمعاتها (مجتمعاتنا العربية على وجه التحديد!) تنوء تحت وطأة تنويعات راسخة من التخلف والعزلة والجهل، وبكثير من “التابوات” المشبعة بالتطرف اللاغي للآخر والمتوجس منه. فهذا “الشاب” النرويجي (وغيره من الشباب الآخرين)، مع أصدقائه، الممتلكين حريتهم: حرية التنقل والإقامة والعمل وحرية إبداء الآراء (أياً تكن تلك الآراء!)، يبهرنا، مثلما بهرنا أصدقائه بعطاء “حريتهم” الكاملة غير المنقوصة، ليحققوا بها ما يحلو لهم من مشاريع.

أتراني متحاملاً كثيراً على تلك “السرديات”؟ – لا أظن، فالوقت الضائع، الذي رعته الديكتاتوريات، بأمانة وبإصرار، وجعلته وقتاً أبدياً، نعيش به ونتعايش مع تأثيراته المدمرة، شلّ قدرتنا وأطاح بآمالنا، وفرغ مجتمعاتنا من أية بادرة، يمكن بها أن تعي تلك المجتمعات وقتها الحقيقي، “غير الضائع!” لكن ذلك، بالطبع حكاية أخرى! حكاية، أثارتها تداعيات سيرة مكتب “سنوهيتا” النرويجي، التي نشاهد تجلياتها الملموسة أمامنا، في أعمال معمارية مميزة وجميلة… ومفرحة أيضاً!

د. خالد السلطاني مدرسة العمارة/ الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون.

إقرأ ايضًا