عن الشقة.. و”ماكنتها” السكنية

3

قد يكون “المأوى” الإنساني، وبغض النظر عن موقعه ونوعية مواده الإنشائية المستخدمة في تشييده، هو الفعالية الأولى التى مارسها الانسان في تغيير تضاريس البيئة المحيطة به بصورة اصطناعية. وتعد تلك المداخلة الاولية وطبعاً البدائية التى لا تخلو من سذاجة، بمثابة بدايات الفعالية التصميمية لمثل هذا النوع من النشاط المعماري، النشاط الذي سوف يلازم الانسان منذ القدم ولحين الوقت الراهن، وسيظل كذلك مستقبلاً، ما برح الانسان يمارس نشاطه الحيوي البيولوجي على كوكبنا الارضي.

ومقدمتي القصيرة هذه، الغارقة في تاريخيتها، ليست هوى فلسفياً يماثل ذلك الهوى الذي دأب أكثرية الفلاسفة الألمان، اللجوء إليه بالغوص بعيداً في أعماق التاريخ، سعياً لتأكيد مصداقية ظاهرة مبحوثة. لكني وددت أن أذكرّ بأن معظم العمليات البيولوجية التى يمارسها الإنسان مثل الأكل وتفريغ النفايات والنوم والراحة، هي ممارسات أساسية وضرورية للكائن الحي وهي بالتالي ملازمة له. الاختلاف الذي طرأ عليها، معمارياً، عبر الزمن هو الانخراط في الصعود بسلم الارتقاء المستمر الموصل لكيفية عمل واشتغال تلك الممارسات على قدر كبير من الكفاءة والراحة والمتعة.

لقد أثمرت الملازمة الطويلة والقديمة بين الانسان والممارسات إياها، إلى تشكيل إحساس عميق ومؤثر بالالفة والتعوّد مع تلك الممارسات، ما فضى إلى ظهور نوع من العادات والتقاليد المكتسبة في هذا المجال، غير قابلة بسهولة للنسيان أو الاقصاء. وهذا كله قد يوضح لنا بواعث تجذر شعور المحافظة على محدودية أساليب التعاطي مع تلك التقاليد “المنزلية” معمارياً، ويفسر أيضا شدة التحفظ إزاء محاولات تغييرها أو الغائها.

ولئن شهدنا تغييرات كبرى طرأت على تنويعات النشاط الإنساني في مجالات آخرى، فإن موضوعة السكن وتقاليده ظلت بمنأى عن تأثيراتها السريعة لفترات طويلة. بيد إن سطوة ظاهرة التغيير العارمة، وخصوصا في الفترات الاخيرة المجبولة بايقاع التغيير السريع، لا يمكن لها ألا وأن تترك بصماتها على غالبية الأنشطة الإنسانية بضمنها بالطبع السكن. والتغيير الحاصل هنا، ليس مقتصراً على توفير احياز محددة، خاصة ومنفردة لفعاليات السكن المعروفة، وإنما يشمل أيضاً أساليب إدراك تلك الفعاليات وانعكاس ذلك الإدراك تصميمياً. وحتى لا نسترسل كثيرا في تقصي تأثير تلك المتغييرات، نشير على سبيل المثال، الى ما شاع إنكليزياً من أن ” بيتي .. هو قلعتي!” وما ترتب عن ذلك من فهمٍ خاص لفعاليات السكن والتصور عن كيفية أداء تلك الفعاليات. كما يمكن أيضا، ذكر مقولة آخرى مفادها أن تصميم احياز البيت السكني، يماثل بالمعنى تخطيط مدينة، إذ مثلما ينطوي التخطيط المدني على حضور شوارع ومياديين وإزقة وحتى “درابين” غير نافذة؛ فإن مصمم البيت السكني بمقدوره أن “يشغله” بفضاءات متنوعة وكثيرة حتى وإن كانت نافلة وظيفياً، تمثلاً بتخطيط المدينة. وانطلاقاً من ذلك التماثل انبرى الجميع في ممارسة تصميمية، تسوّغ حضور أنواع الزيادات الفضائية في تكوينات الأبنية السكنية، سواء كانت تلك الدور مشيدة في بيئة حضرية أم ريفية؛ وسواء خُصصّت لأصحاب الدخل العالي أم للمتوسط منهم. أما الفقراء من ذوي الدخل الواطئ، فإنهم ظلوا بمنأى عن هذا “الضجيج” التصميمي ، لسبب بسيط، هو أنهم لا يملكون مسكنا حتى يمكنهم ملؤه … بالجادات والازقة!.

لقد اثار انتباه المهنيين في خضم تدفق المقولات الخاصة بالموضوعة الإسكانية، المقولة العائدة الى “لو كوربوزيه”، رائد الحداثة المعمارية وأحد مؤسسيها من إن “الشقة: ماكنة للسكن”. قالها المعمار العظيم، في وقت كانت البشرية مهوسة في الآلة وانتشار المكننة. والقصد من تلك المقولة بالطبع، هو أن احياز الفعاليات السكنية، يتعين أن تكون مختصرة ومقتصدةً وعقلانيةً ووظيفية وخصوصا وظيفية: تماما كما تعمل الماكنة بالوظيفية ذاتها والعقلانية ذاتها، والاقتصاد ذاته!. ومثلما لا يوجد مبرر لوجود جزء لا يعمل في منظومة جهاز الماكنة، ليس من ثمة تسويغ لحضور احياز سكنية لا تعمل وظيفياً. فالشقة، إذن، ماكنة للسكن، وعلى الساكن أن يتعاطى مع هذا الواقع الجديد المفروض عليه من قبل مصممي عمارة الحداثة وأطروحتها التى هيمنت على المشهد المعماري لعقود.

لكن سطوة التغيير التى لا تقاوم تظهر تأثيراتها، مرة أخرى، بصورة جلية في الخطاب، مشككة في مصداقية مقولات كثيرة، (حتى وان كان قائلها لو كوربوزيه نفسه!)؛ ومبدلة من قناعات سابقة. وكان من مظاهر ذلك التغيير حدوث “فورة” من التصاميم الإسكانية الحافلة حلولها التكوينية بتنوع كبير من فضاءات مقحمة، لم يكن لها مبرر وظيفي ولا مسوغ جمالي. وأفضى ذلك لظهور نزعة لدى غالبية المتمكنيين بالابتعاد عن مفهوم الوحدة السكنية ذات الفضاءات المقننة؛ والانهماك في لعبة “تخزين” الفضاءات الزائدة في مخططات البيت السكني. ولم يقتصر ذلك النزوع على منطقة محددة، وإنما وجد تعاطفا وقبولا كبيرين في مناطق متنوعة إثنياً ومختلفة جغرافياً ومتباينة ثقافياً. كما لقى هذا التغيير استجابة كبيرة في منطقتنا العربية، وباتت الوحدة السكنية ينظر اليها من خلال كمية حضور الفضاءات الهامشية فيها أكثر بكثير من الاهتمام بوجود الفضاءات الأساسية والضرورية. وفي هذا السياق، اتذكر ما قاله لي، مرة، أحد المعماريين الأردنيين المهمين (وهو يعكس، كما اعتقد، رؤى كثر من المصممين العرب)، من أن رب العمل طلب منه يوماً أن يستخدم كل خياله الخصب وتصوراته الفنية، في استحداث فضاءات إضافية ومتنوعة لمسكنه الجديد. وعاب عليّ، بتهكم مبطن، باننا نحن الأساتذه، نعلم طلابنا مزايا الاقتصاد الفضائي في التصاميم، بالضد من متطلبات الواقع الذي ينشد العكس!.

وأيا يكن، فان انتشار نزعة الفضاءات الزائدة في تصاميم الأبنية السكنية، اضحت هي الرائجة والمطلوبة من قبل كثر. وغابت عن الأذهان تلك المقولة التى سعت وراء ايجاد ترجمة حرفية لمنظومة عمل الآلة، في أداء الشقة السكنية، وانعكاس ذلك في تحديد نوعية الحلول التصميمية لها. كما ساهمت اطروحات مابعد الحداثة، بقطيعتها المعرفية المعروفة مع قيم الحداثة المعمارية، والرائجة ذائقتها الآن في الخطاب المعماري، على تكريس ذلك الغياب.

بيد أن قوة التغيير التى تحدثنا عنها تواً، والتى أزاحت كثير من المقولات “الراسخة” السابقة، عاكستها قوة آخرى، كرد فعل لها؛ تجسد في ظاهرة التوق للماضي، أو ما اصطلح على تسميته بـ “النوستالجيا”. صحيح أن النوستالجيا لا يمكن لها أن توقف حركة التغيير، لكن في استطاعتها أن تعمل اختراقا فيه. وهذا الاختراق، الذي يشي بالاستعادة، هو الذي يجعل من النوستالجيا ظاهرة مؤثرة في المشهد المعماري. وإذ يصف صاحب “المورد” النوستالجيا بانها (استعادة وضع يتعذر استرداده)؛ فإن الممارسة المعمارية المعاصرة تعي ذلك جيداً، إذ تجعل “استعاداتها” فعلا حافلاً بالتأويل. وهو ما يمكن تلمسه بوضوح في الحنين إلى الارث “الكوربوزيوي” الذي يرفع لواءه عالياً بعض المعماريين المعاصريين، ولاسيما فيما يخص مقولته المجنحة إياها من أن “الشقة: ماكنة للسكن”. ثمة تطبيقات عديدة لمفهوم تلك المقولة يمكن للمتتبع أن يجدها عند كثر من المصمميين المعاصريين. وهذه التطبيقات ذات حلول تكوينية مختلفة تعكس اختلاف رؤى معمارييها وذائقتهم الجمالية. لكنها تشترك جميعاً بكونها تعمل تحت خيمة التأويل والتفسير الذاتي لتك المقولة.. وفي هذا الصدد فقد أثار انتباه الوسط المهني المعماري ونقاده في الفترة الاخيرة، ما قدمه مكتب استشاري إيرلندي من مثال نموذجي Paradigm في تنويعات تأويل تلك المقولة.

نحن نتحدث عن البيت السكني الخاص الى “بيتر كودي”، والمصمم من قبل مكتب “بويد كودي معماريون” Boyd Cody Architects؛ المنشور في المجلة الهولندية (الصادرة بالانكليزية) : A10. New European Architecture, 09. . والواقع في ضواحي مدينة “غراغيونامانايا” Graiguenamanagh الإيرلندية، جنوب غرب العاصمة دبلن. وأقول بتداءً، إن مصمم البيت هو نفسه مالكه، ما حدا لأن يكون التصميم متطابقا تطابقاً تاما بين رغبات “رب العمل” وآهلية المعمار. وأن يكون التصميم المشيد مختبرا لأفكار جديدة في الإسكان مع إمكانية تطبيقها واقعياً، فضلاً على تبيان المقدرة في تعايش الوحدة السكنية مع محيطها بالصيغة المقترحة.

ثمة خمسة حجوم متشابهه في اللون، ومتماثلة في الطول، ومختلفة في العرض، وهي على ارتفاع موحد، لكن منسوب أرضيتها متباين، تنهض من الأرض فجأة أمام الناظر بسلسلة كتلها الخرسانية الواطئة ونوافذها الزجاجية الواسعة، والمرصوفة على جانبي محور رئيس، يمتد عمقا داخل الموقع. هذا ما يقترحه معمار الدار لنا (أو بالأحرى له!) عن مفهومه للوحدة السكنية. وهذه الحجوم / الكتل تخدم وظائفها المحددة لها بصرامة، وهي النوم، والطبخ والاكل والراحة وتفريغ النفايات، أي تماماً الوظائف ذاتها التى مارسها الانسان منذ القدم والضرورية بيولوجيا، كما أشرنا في مطلع مقالنا.

في اشتغاله على تصاميم الدار، يضع المعمار “بيتر كودي” لنفسه مهمة أساسية، وهي اختزال اللغة المعمارية الى أقصى مدى ممكن، مع وضع مقولة لو كوربوزيه أمام عينيه وفي.. ذهنه، لتكون هدف الحل التكويني ووسيلته معاً. فـمفهوم “ماكنة” السكن يفرض سلطته المحكمة على كيفية أداء احياز الدار وظيفياً، وفي اقتصاد صارم. وهذا الأداء الوظيفي المشوب بالاقتصاد ولدّ لدى المعمار رغبة في خلق، ما يمكن أن نسميه، بالفضاء المجرد أو الفضاء التجريدي. وهو فضاء قادر بتجريديته المغالية لأداء مختلف الوظائف السكنية، إذ يمكن تحديد وظيفته من خلال تزويده بأثاث مقنن ومختصر. وما عدا فضاء الحمام والمطبخ اللذين حصرهما المعمار في كتلة واحدة قسمها الى قسمين؛ فإن الحيز المخصص للنوم لا يختلف عن الحيز المخصص للطعام، وهذا يماثل فضاء المعيشة. الاختلاف الطفيف فيما بينهما يظل متعلقاً بنوعية الأثاث القليل المزود به كل فضاء. وطبعاً تتاح إمكانية تبديل وظيفية الحيز بسهولة متناهية جراء تجريديته العالية. ولكن كيف تسنى للمعمار الاهتداء الى مثل هذه المعالجة التصميمية الخاصة بمكونات الدار، بحيث بدت بتلك الصيغة التى نشاهدها أمامنا: صارمة جداً، ومختزلة جداً، ومتماثلة جداً؟!.

ثمة سقيفة/ “طارمة” بعمق ضحل تخفي الباب الرئيس في أحد جوانبها، وهذه السقيفة تمتد بامتداد معين سيحدد طولها أطوال جميع كتل الدار الآخرى. يفضي المدخل مباشرة إلى ممر عمودي، يشكل امتداده في عمق الموقع محور الدار الرئيسية والذي منه ستتفرع كتل الدار الخمس على الجانبين: ثلاث كتل في جانب، يقابلها اثنتين في الجانب الآخر. ويجرى توزيع الكتل وفق منظومة خاصة تشترط توقيع كتل الدار بأسلوب منفرد يفصل بينها أفنية مكشوفة. والأخيرة، توهم الناظر للبيت (وحتى الشاغل له)، بأنها جزء لا يتجزأ من فضاء الأ الأحياز المجاورة. وتكرس نوعية النوافذ الواسعة التى تشغل مساحتها كل جانبي “جدراني” الكتلة المنفردة، هذا الوهم وتجعله أمرا قابلاً للتصديق!.

لا يسع للمرء إلا أن يرى مدى التطابق الحاصل بين مقولة لو كوربوزيه ومخطط دار “بيتر كودي” المبتدع. إنه تطابق آلي، وحرفي، ومباشر. واخال، إن كوربوزيه نفسه، لم يشأ أن تكون ترجمة مقولته بمثل هذه القسوة والصرامة والاختزال الذي يفصح عنها معمار الدار. فقد كان “يكسر” دائما حدة مقولاته ذاتها، بإضافة عناصر زائدة (وأحيانا غير وظيفية) تخفف من وطأة مفاهيم تلك المقولات. لنتذكر “فيلا سافوي” وكتلتها المكعبة المنتظمة التى تشي بمرام هندسيتها الصافية، لكن “الكسر” أتى عبر ” الشاشات” الأسطوانية الموقعة في أعلى الفيلا. وهل يمكن للمرء أن يغض بصره عن الكتل “النحتية” العديدة ومختلفة الأشكال والحجوم المبثوثة على سطح مبنى “الوحدة السكنية” بمرسيليا، “المشوشة” لواجهات المبنى ذي الايقاع الهندسي المنتظم والصارم الذي ينشأ من تناوب شرفات الشقق العديدة ذات الارتفاعات المتباينة؟. وغيرها.. وغيرها.

والسؤال لماذا كل هذه الحدة والصرامة التى تشي بها هيئة الدار المصممة؟ هل أراد المعمار السير بعيداً في مهمة التجريد الوظيفي، ليستقر في النهاية، إلى تجريد متناه للاشكال المصممة؟ هل أن هاجس فائض التفرد التصميمي لديه، هو الذي أوحى لتغيير رديكالي في إدراك موضوعة السكن، والتى بسببها تم إنتاج هيئة دار حافلة بالتميز والاستثناء؟ ؛فالدار المصممة لا تشبه مجاوراتها بالمرة. إنها تخلو من وجود نوافذ معتادة، وكتلها المتماثلة الموقعة بايقاع رتيب تذكرنا بسقائف مستودع بضائع، أكثر بكثير من إعطائنا انطباعاً عن بيت سكني معاش. كما أن احيازها المكشوفة جراء استبدال جدرانها الجانبية بنوافذ زجاجية واسعة، والتى تبدو من بعيد عاريةً تماماً وغير محتشمة، تدفع الى إدراك المرئي بعيداً عن تصورات باتت مألوفة عن مكونات دار سكنية!.

وأيا تكن بواعث القرار التصميمي، فنحن إزاء تمرين معماري غاية في التشويق والجدة. لكنه مع هذا يظل بمنأى عن مفهوم الفضاء السكني، ذلك الفضاء الذي ما انفك “يسكن” في عقولنا ووجداننا وبالنتيجة هو الذي أسس لمنظومة تقاليد في مفهوم الفضاء المعاش، المسكون، والحميمي، والذي بمقدوره أن يضفي على الدار السكنية، ما يسميه العراقيون “بالألفة البيوتية”!. قد تكون دار “بيتر كودي” تجسيداً لما يمكن أن ندعوه بالملاذ، ملاذ لشخص متعب من فوضى العمل وفوضى المدينة وفوضى الناس المحيطيين به؛ وبالتالي فإن ما صممه المعمار من فضاءات غارقة في تجريديتها، تستجيب بشئ من الصدقية الى طبيعة الوظيفة المعلنة. عكس ذلك، ثمة صعوبة في تصّور بأن الفضاءات المصممة ذات الوظائف العادية والمألوفة، يمكن بتجريديتها العارية أن تتجاوب مع أسلوب سكن عائلي بمقدوره أن يمنح السكون والطمأنينة ويوفر حرية الحركة “العشوائية”؛ وتتقبل فضاءاته أمكنة لعب الاطفال وتتحمل ضجيجهم. فالملاذ يختلف عن البيت السكني. يمكن أن يكون البيت ملاذا، لكن من الصعب تحويل الملاذ الى بيت. وما اقترحه بيتر كودي لنفسه من تصميم يظل في نطاق مفهوم الملاذ، وأن بدا انه دار سكنية!.

إن الانخراط في لعبة التجريد الجائر للفضاءات المصممة المولع بها المعمار الإيرلندي، ونظافتها المغالي بها (لا توجد أية لوحة فنية معلقة على الجدران، كما أن جميع الجدران خلو من التركيبات الكهربائية، هذا بالاضافة لعدم وجود تلفزيون في البيت!)، جردها من تأسيس ما يعرف فلسفياً بـ”الطبيعة الثانية للاشياء”. وهو مفهوم يضمر امكانية ادراك الفضاء بصيغ متعددة، بعيدا عن فهمه الآحادي، ويجعل من تلك الفضاءات موضوعا لتفسيرات ذاتية، تنبع من خصوصية المستخدم لها أو الرائي اليها. كما يجعل منها أمكنة قريبة وآليفة قادرة لانتاج الشعور بالحميمية أو الإحساس بـ “البيوتية”؛ تماماً مثلما يعبر عنها “غاستون باشلار” بـ (الحيز المحبوب). الحيز الذي بمقدوره، وفقا للفيلسوف الفرنسي، أن يصنع “مبدأ حقيقياً للاندماج السيكولوجي للعالم في داخل الانا..”. ويرى صاحب “شاعرية المكان” بأن حضور هذا الاندماج الذي توفره فضاءات البيت “المتنوعة”، يتم من خلال رؤيا تتحقق عبر مسار محدد وهو “من الحاوي الى المحتوى”، أي من خارج البيت الى داخله أو مافيه. هذا المحتوى، وبحسب تعبير باشلار، يعود ليصبح حاوياً بدوره، متيحاً لكل فرد فيه أن يخلق “بيتا” له داخل البيت الكبير “.. يتمدد ويعيش ويتأرجح كما يحلو له”. وغني عن القول، إن تجريدية الأحياز المصممة لدى “بيتر كودي” وتعريتها وكشفها الفاضح، تبدو في هذه الحال، وكأنها مجرد غطاء لحيز مقتطع من موقع، ما يجعل من الصعب علينا النظر اليها، بكونها تعبيراً، لما دعاه باشلار “حاويا لمحتوى”؛ قادراً أن يجمع في ذاته “..نوعاً من الجماليات الخبيئة”!.

ويظل التعاطي مع القضية الإسكانية، أمراً غاية في التعقيد والاشتباك؛ التعقيد المتولد من تعددية مصطلح “السكن” نفسه، وما ينجم عن ذلك التعدد من مفاهيم متناقضة. في حين يتمظهر الاشتباك من خلال تداخلات فعالية “السكن” ذاتها، مع فعاليات وأنشطة انسانية عديدة. وكل ذلك يعمل، بالطبع، على النأي بعيداً عن إدراك مفهوم السكن بكونه مجرد تأمين احياز تستيجيب للانشطة البيولوجية للانسان، ضمن فضاء نسميه داراً أو شقة.

يساورني ظن، أن الشقة لا يمكن لها أن تكون محض “ماكنة” للسكن!.

يساورني ظن آخر، بأن البيت لا يتعين (هو الآخر) أن يكون تمثيلا لمخطط مدينة!.

يساورني ظن ثالث، بأن “الحميمية السكنية”، هي شعور منفصل ومستقل بذاته. وعلى المصممين الاكفاء العمل على إغواءها و”إغراءها” بمعالجات تكوينية حيزيه مناسبة، كي يمكن “استدراجها” للهبوط والاستقرار في تلك… الأحياز المصممة!.

د. خالد السلطاني مدرسة العمارة/ الأكاديمية الملكية الدانمركية للفنون

إقرأ ايضًا