ثلاثية ديريدا والتفكيكية والعمارة

20

ثلاثية ديريدا والتفكيكية والعمارة التفسيرات الفلسفية والأطروحات الإبداعية

مقدمة هذا المقال يعني برصد علاقة حاسمة وشديدة التميز بين واحدة من أهم الحركات الفلسفية في القرن العشرين وهي الفلسفة التفكيكية ورائدها المفكر والفيلسوف الفرنسي والناقد الأدبي جاك ديريدا مع طرف ثاني يعرف بأنه أم الفنون: العمارة ذلك المنتج الإنساني الإبداعي الذي يوثق لحضارة الشعوب ومساهمتها في النهضة التاريخية والإنسانية، وهدفنا أن نلقي الضوء على الكيفية التي سمحت لجاك ديريدا وأفكاره في التأثير على جيل مبدع من المعماريين العالميين ومنحتهم الجرأة والقدرة والرؤية لتقديم تجارب معمارية وعمرانية وفراغية وتشكيلية وجمالية غير مسبوقة .

الفلسفة التفكيكية: التأصيل التاريخي إن الفلسفة التي تعني في أبسط معانيها تأملات وإرهاصات الفكر الإنساني هي المسؤولة عن صياغة الحضارات البشرية كما أثرت على كل جوانب الحياة ثقافية أو اجتماعية أو سياسية أو حتى اقتصادية. وقد ساهمت الفلسفة في تنمية قدرات المجتمع الإنساني خاصة في القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة وإصراره على طرح تساؤلات عميقة ومتنوعة.

ومن التتبع التاريخي نرصد التوجهات الرئيسة في الفلسفة المعاصرة في القرن العشرين وهي: حركة الحداثة ثم ما بعد الحداثة يليها الظاهرية ثم البنيوية ثم ما بعد البنيوية التي نبعت منها الفلسفة التفكيكية. وكان لجهود جاك ديريدا (1930-2004) ومعاصره رولاند بارثيس (1915-1980) الأثر الأكبر في صياغة فلسفة ما بعد البنيوية فقد كان الأخير هو المسؤول عن فكرة موت المؤلف التي أطلقها عام 1964 وعنى بها إطلاق الحدود لفهم وتفسير النص الأدبي من جانب المتلقي ثم لاحقاً أعلن أن موت المؤلف يعني أيضاً ميلاد القارئ الذي له الحق الكامل في تعددية المعاني والتفسيرات التي يتلقى بها العمل الإبداعي.

إلا أن البعض الأخر من نقاد الحركة الأدبية يعتقدون أن اللحظة الفارقة في مشهد ميلاد الفلسفة التفكيكية هي محاضرة ديريدا الشهيرة المعنونة “البنية، العلامة واللعب في مفهوم العلم الإنساني” حيث طرح فكرة الخروج عن المركز في عوالمنا الثقافية بدلاً من التطور أو الانحراف عن نفس المركز المعلن والمعروف وأكد على أهمية اللعب والاختلاف كبديلين من أجل التفكيك، وكما يطرح البنكي (2003) فإن جاك ديريدا هو الذي أعلن موت الكتاب وبداية الكتابة كتعبير عن الحقبة الجديدة. إن المجال الرئيس الذي تتعامل معه أطروحة الفيلسوف الفرنسي هو المجال الفلسفي والنقد الأدبي ولكنها امتدت سريعاً في تأثيرها لتشمل مجالات إبداعية أخرى مثل الفنون التشكيلية والعمارة.

استخدم ديريدا لفظ التفكيكية من صياغات سابقة للفيلسوف مارتين هيدجر طرح فيها أن البناء يتداخل مع الهدم التي فسرت بأنها التفكيك، فالواقع أن فحص الخلفية التاريخية يوضح أن ديريدا تأثر بالظاهرية والبنيوية ثم أنتج التفكيكية من مظلة مابعد البنيوية وقد أثرت التفكيكية على كل جوانب الحياة وغيرت مفاهيم العديد من المفكرين والمنظرين والأكاديميين، كما أثرت بعمق على الحركة الإبداعية وخاصة الرواية والنقد الأدبي والموسيقى والعمارة التي سيتم التركيز عليها أن التركيز على مساهمات وأطروحات جاك ديريدا في صياغة التفكيكية كمصطلح وكتوجه فلسفي أثر جذرياً على الإبداع المعماري هو محور هذا الجزء.

إن ديريدا الذي ولد عام 1930 ونضج كشاب مع دقات طبول الحرب العالمية الثانية له تأثيرات ملموسة على العمارة بل أنه ساهم مباشرة في العملية التصميمة مع المعماري الشهير بيتر آيزنمان في مشروع حديقة لافييت في دعم وتحريض المعماري برنارد تشومي. لقد رأى ديريدا العمارة كنوع من الكتابة الإبداعية بالتالي فهي طريقة لممارسة الحياة ودعا إلى ما عرف الفروقات أو الاختلافات المعمارية حيث تتمكن العمارة من خلق أماكن حيث يمكن للرغبة أن تتواجد وأن تعيش .

وقد انتقد ديريدا نقداً عنيفاً من معاصريه اعتمدوا فيه على وصف التفكيكية بأنها نوع من العدمية التي تقوض وتضعف المعايير الأخلاقية والفكرية الحيوية للأكاديمية. بل أن البعض ذهب إلى أن نظريات ديريدا هي نظريات انتحارية أي أنها تضع حداً لحياتها بنفسها . وعندما سؤل عن ماهية التفكيكية أجاب ديريدا لا أجد إجابة بسيطة لهذا السؤال. واستطرد قائلاً إن كل محاضراتي ومقالاتي كانت محاولة لتجنب هذا السؤال الهائل والمرعب في آن واحد.

وديريدا في أعماله المبكرة كرر أن التفكيكية هي هز الصرح أو ارتجاجه ككيان كلي وبالتالي يحدث ما أسماه ارتعاد وارتعاش الخلود . إن التفكيكية هي مصطلح محير وقد تردد الكثيرين في تعريفه بما فيهم ديريدا نفسه كما أسلفنا وخاصة عندما كان يسأل عن كيفية تفسيرها في سياق ومفاهيم معمارية وكما يطرح ويجلي (1993) إن التفكيكية هي إطار أو نوع من الاستجوابات الفكرية التي تهز البناء بصورة تكشف ضعفه، إنها تضع البناء تحت وطأة الضغط. من وجهة نظر ديريدا فإن التفكيك ليس التدمير ولكنه القدرة على كشف وفك الطبقات المكونة للبناء وهو هنا يتبنى فكرة مارتين هيدجر أن التدمير التفكيكي أو اللابنائية تشوش وتبعثر وتزعج التقاليد. التفكيكية تتساءل عن الأطروحة والفرضية والفكرة الرئيسة والوضعية الخاصة تقريباً بكل شئ بدون استثناء .

لقد سمى ديريدا التفكيكية قاصداً العمليات التي اتبعها ليكتشف مداخل جديدة للفكر الفلسفي خاصة والفكر الانساني عامةً، ولكنه أكد إنه لا يوجد تفكيكية بدون ذكرى التقاليد، وقد بدأ من التاريخ الفلسفي التقليدي الموثق بحقباته المختلفة ثم بدأ التساؤل والنقد محدثاً سلسلة من الهزات المتتالية للطبقات التي تكونت عبر التاريخ عن طريق استجواب كل الفرضيات التي اعتبرت في زمن سابق غير قابلة للتساؤل وليست محل أي شك. ومن ثم فإن ما يسميه ديريدا التفكيكية ليس نظرية شاملة وليس نسيج منظم من الأفكار ولكنها استراتيجية وأسلوب لقراءة النص الفلسفي أو الأدبي للوصول إلى أعماقهم وسبر أغوارهم .

إن استراتيجيات ديريدا التفكيكية – مثلها في ذلك مثل نظريات سيغموند فرويد النفسية ونظريات كارل ماركس السياسية – شكلت فيما بعد جانباً هاماً في مرحلة ما بعد الحداثة وخاصةً في مجال النظرية الأدبية بعد البنيوية وفي مجال تحليل النص . إن تحليل النص هو العملية التي تمكن بها القارئ من كشف المعني وفك شفرة المضمون من خلال التناقضات النصية أو الثنائيات والازدواجيات. إن التأثير الرئيس للتفكيكية أن ما يبدو متماسكاً ومتجانساً هو في الواقع يحتوي التناقضات والصراعات التي لا يمكن للنص أن يحتويها ويجعلها ساكنة ومستقرة . ومن هنا تبرز فكرة ديريدا الخاصة بعدم تحقق المعنى وتأجيل هذه الآلية بشكل دائم أو ما يسمى بالمعنى المؤجل واللاقابل للتحديد. ومن ثم فإن ماهية المعنى إنه أفق ممتد غير قابل للتحقق ومهما تحركنا في صوبه فإنه متغير ومتحول وديناميكي . الهام أيضاً أننا لا يجب أن ننظر إلى رحلة ديريدا الفلسفية وكتاباته الداعمة لها على أنها سيناريو مكتمل ونهائي، وإنما كما أسلفنا هي استراتيجية تساؤل مازال تلاميذ ديريدا وأتباعه يعملون على تطويرها وتنميتها واستمرار تأثيرها على جميع أنواع المعارف الإنسانية .

العمارة والفلسفة: في فهم طبيعة العلاقة إن تطور ونضوج المفاهيم الجديدة في أي ثقافة تنعكس بصور متباينة على كافة مناحي الحياة، ولكن العمارة تبرز كواحد من أهم المجالات الإبداعية التي يمكن لها أن تعكس وتجسد مفاهيم ورؤى فلسفية وفكرية جديدة. ومن أهم الفلاسفة والمفكرين الذين كان لأفكارهم تأثيراً جارفاً وحاسماً على العمارة مارتين هيدجر وجاك ديريدا، ولكن الأكثر أهمية هو حرصهم على الكيفية والأسلوب والعمليات التصميمية التي ستعكس بها العمارة أفكارهم الفلسفية.

إن الفلسفة تستعين بالعمارة لتجسيد أفكارها وتنفي فكرة أن العمارة هي ممارسة مادية فقط، كما أن العمارة تلجأ إلى الفلسفة كما يطرح (ويجلي، 1993) لتصيغ كياناً يحمل المضامين والأبعاد العميقة التي تؤهله لتجاوز حتميته المادية. أما (نيلسون، 2004) فقد ناقش أن العمارة هي استعارة بنائية في الفكر الفلسفي وفي الوقت ذاته هي تعبير عن طرق متعددة في التفكير، وأضاف أن هذه العلاقة المعقدة في العمارة اختبرت بأساليب مختلفة في أعمال معماريين مؤثرين مثل برنارد تشومي، دانييل ليبسكند وبيتر آيزنمان. إن التفاعل بين الفلسفة والعمارة واضح وجلي ليس فقط في كتابات ديريدا ولكنه ظهر بوضوح في تعاونه مع معماريين مثل بيتر آيزمان ووبرنارد تشومي في حديقة لافايت، التي كانت مجال لتجسيد أفكار ديريدا التفكيكية في العمارة كما سنوضح لاحقاً.

التفكيكية والعمارة: على هامش موت المؤلف وموت المعماري إن ما اقترحه ديريدا هو إطاراً نقدياً منفتحاً ومرناً أسماه “إستراتيجية التفكيك” التي عرفها بأنها ليست هدماً وإنما هي إعادة بناء وتركيب وتشريح لجميع المعاني والمفاهيم وهذا هو المطلوب إدراكه في أي محاولة لاختبار أو تقييم أو حتى مجرد محاولة فهم العلاقة بين التفكيكية والعمارة. فقد تبلور مصطلح “العمارة التفكيكية” في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، كتعبير رمزي ونظري في آن عن مجموعة من التوجهات والتجارب التصميمية التي ظهرت في الممارسة المعمارية العالمية وارتكزت جميعها على الطرح الفلسفي لجاك ديريدا. وكما يؤكد ديريدا فإن التفكيكية ليست”طرازاً” معمارياً، وإنما هي “وسيلة أو استراتيجية أو رؤية” يتبناها المعماري بغرض خلق “تضارب وتصادم” بين ما بات أمراً عادياً ومألوفاً لدى المرء في إدراك اللغة والمعنى، وبين ما يراه أو يشاهده.

والتفكيكية المعمارية، في هذا المعنى، ووفقا إلى “ديريدا” فإنها بمثابة سؤال المعماريين لأنفسهم : هل بمقدور العمارة أن تتخلى عن هيمنة علم الجمال الكلاسيكي، هل بإمكانها أن تتنصل عن النفعية، عن الوظيفية، وهل ثمة مفاهيم راسخة تحدد النظام، وتشير أيضاً إلى عدم النظام إلى التشويش مثلاً؛ وهل بالإمكان تشييد مبنى بالتخلي عن تلك المبادئ الأساسية المتعارف عليها والمألوفة لخلق عمارة، بضمنها مبادئ: الإيقاع، التوازن، الخطوط الأفقية والعمودية؛ أم أن ثمة عمارة أخرى تنشد بالضرورة تهشيم القيم القديمة من أجل إبداع شيء ما جديد (السلطاني ، 2005) .

إن المعماري الذي يهتم بالإجابة على هذه التساؤلات يتعين عليه أولاً التخلص من المفاهيم والمعتقدات القديمة لصياغة العمل والفراغ المعماري، ويتعين عليه أيضاً أن يجهد نفسه ويكثف جهده الابداعي من أجل خلق أشكال جديدة، وفضاءات جديدة، بل وأنواع جديدة من المبان. وبمعنى آخر فإن التفكيكية تعني برؤية كلية العمارة وشموليتها في تفتتيتها وتشريحها وإعادة بنائها وليس برؤية الحداثة التي تتعامل مع نقاء الشكل وصراحة الكتلة المعمارية وانتظامها البصري، والواقع أن التفكيكية قد تظهر المبنى مفتقداً للمنطق البصري ولكن المدقق يجد أن المنطق البصري موجود ولكنه منطق متمرد على القواعد القديمة ليقدم تشكيلاً فراغياً وبصرياً غير مسبوق.

إن فريق المعماريين الذين يبدعون وفق مفهوم التفكيكية بالعمارة، خالقين عمارة جديدة لا تشبه بالمرة منطلقات العمارة المعتادة ولا تعتمد على مرجعياتها المألوفة، إنها نتاج خاص يثري الخطاب المعماري العالمي بتشكيلات وتجارب فراغية جديدة وبمفاهيم مختلفة ويعد بيتر آيزنمان، فرانك جيري، برنارد تشومي، كريستيان دي بورتزامبارك وزها حديد وريم كوولهاس ودانيال ليبسكند وغيرهم من أهم المعماريين المتبنيين لمنهجية العمارة التفكيكية. وهم جميعاً الجيل الذي يمكن وصفه بأنهم الرافضين لابتذال ما بعد الحداثة في العمارة وخاصة من حيث الاستخدام الساذج والسطحي للطرز التاريخية الكلاسيكية.

ومن اللحظات الفارقة في تاريخ العمارة التفكيكية تأتي حادثة تنظيم معرض “العمارة التفكيكية” عام 1988 في متحف الفن الحديث بمدينة نيويورك الأمريكية والذي اشترك في تنظيمه الكاتب والناقد المعماري مارك ويجلي والمعماري الشهير مبدع هرم اللوفر الجديد فيليب جونسون حيث أكد ويجلي في كتالوج المعرض أن أسطورة التشكيلات والكتل النقية قد انتهت وأن تقاليد التكوين الهندسي الكلاسيكية كالتوازن والتدرج والتناسق قد تم التمرد عليها بالفعل لصالح إنتاج بنيات هندسية ديناميكية وغير مستقرة بل وتبعاً لتعبيرات ويجلي قد تكون غير مريحة ومقلقة بصرياً لأنها تطرح لغة جديدة وحقبة معمارية مغايرة للسائد. وقدم المعرض أعمال سبعة معماريين يمثلون التوجه الجديد أهمهم المعماري الأمريكي بيتر آيزنمان الذي كان أول من طرح فكرة اللامركزية أو رفض المركز كما استشفها من طرح ديريدا لتحليل النص الأدبي ومن ثم بدأ مشروعا إبداعياً وأكاديمياً للبحث عن قيم جمالية جديدة.

أيضاً من اللحظات الفارقة والتي أثارت انتباه الأوساط المعمارية النقدية والأكاديمية تعليق جاك ديريدا على فوز المعماري برنارد تشومي في المسابقة الدولية لتخطيط وتصميم حديقة بارك لا فاييت بباريس في فرنسا، والتي تحتوي على مجموعة من المباني والفراغات المخصصة لممارسة متميزة لكافة الأنشطة الفنية والترفيهية والعلمية والموسيقية، حيث أكد ديريدا “أن” المشروع نجح إلى تفكيك كل دلالات العمارة؛ إنها تؤدي إلى عدم استقرار المعني ولاثبوتيته. أو ما يمكن أن يسمى بمفهوم “ضد العمارة”؟، وهو ما يفقد الأخيرة ذاتها، هالتها الجمالية، كيانها، أو أنساقها؟ ولكن الواقع أن المشروع يهدف إلى إنتاج، وإسناد، وتجديد و”إعادة كتابة” العمارة، ومن الجائز أنها تنعش الطاقة التي تم تجميدها، وتواريها، وغلقها، ودفنها في قبر جماعي يدعى الحنين إلى الماضي التي استهلكتها عمارة ما بعد الحداثة أو بعض معمارييها على وجه الدقة.

من أبرز معماريي التفكيكية تبرز زها حديد وهي المعمارية الوحيدة التي ملكت جراءة التمرد وأعلنت إيمانها بأفكار ديريدا واعتمدت في بداية ممارستها المعمارية على الفن التشكيلي ورسم اللوحات التي اعتبرتها مجالا لاستكشاف أفكاراً جديدة لتصميماتها كما أنها كانت وسيلة للمشاركة في المعارض الفنية للترويج للفكر التفكيكي في العمارة ثم تلا ذلك مرحلة التركيز على التواجد في المسابقات المعمارية الهامة حتى أتتها فرصة البناء الأول لمبنى صغير هو محطة الإطفاء الملحق بمصنع ومتحف فيترا للأثاث الذي صممه فرانك جيري ومكنت وسط اندهاش المراقبين للمشهد المعماري العالمي من تقديم تجربة تشكيلية وفراغية فريدة في مبني شديد الوظيفية والانتفاعية.

وكإطار عام للعمارة التفكيكية فمن خلال توظيف الأشكال الانسيابية الملتوية والمائلة والمرن والعضوي والتأكيد على استخدام حيوية التعارض بين الفضاء والكتلة بنظام يشي بالإحساس “باللانظام”، الذي يحرص رائد التفكيكية :”ديريدا” تذكيرنا به دوماً وتعقيد التجربة البصرية وتعددية تفسير المنتج المعماري تتميز تلك المدرسة المعمارية وتابعيها. وبالتالي يمكن لنا أن نحصر أساسيات أو مبادئ للعمارة التفكيكية ولكنها تجتمع في أنها تطرح للمبدع سيناريوهات لانهائية وتفسيرات متنوعة ونهايات يصعب التنبوء بها ومن أهمها: البحث والتفتيت في اللاوعي بدلاً من البحث في التاريخ والديناميكية الفراغية والتشكيلية والحرص على خلق مباني متحركة تمتاز بتغيير الصورة البصرية بدلاً عن سكونها وجمودها وتفضيل الاتزان الديناميكي للمبنى عن الاتزان الكلاسيكي أحادي التعبير وكذلك لامركزية و لامحورية التشكيل تأكيداً لفكر ديريدا في رفض المركز.

ومن الناحية التشكيلية نلاحظ ملامح جوهرية مثل وضع الأعمدة علي زوايا مثيرة للتعقيد التشكيلي والبصري وتكون ملتوية ومائلة والواجهات تحمل لغة بصرية وتشكيلية معقدة ومحملة بالتساؤلات ومثيرة لعشرات التفسيرات والتأويلات من قبل المتلقي والتأكيد على البنية الهندسية الديناميكية من خلال التصميم على شبكات هندسية في جميع الاتجاهات الأبعاد الثلاثية يؤكدها الممرات المتقاطعة في الفراغ والحوائط المتداخلة وغير منتظمة الايقاع.

وكما يطرح المفكر والناقد المعماري الشهير شارلز جينكز وهو واحد من أهم المحللين لفكر الحداثة في العمارة كما أنه من المسئولين الأساسيين عن صياغة مصطلح مابعد الحداثة، أن التفكيكية هي عمارة التكسير واللاتماثل واللااتساق وهي عمارة مليئة بالمفاجئات غير المتوقعة وتستخدم مفردات العمارة الكلاسيكية بصورة معكوسة أو مشوهة وهي عمارة كلاسيكية وضد الكلاسيكية .•

ويؤكد أيضاً على أن التفكيكية ومابعد الحداثة رغم الفروق البينة والجذرية بينهما إلا أنهما اتفقا على شيء جوهري وهو الاختلاف والبعد ونقد كل ما هو تقليدي ومألوف .

ويأتي النتاج الإبداعي للمعماري العالمي بيتر آيزنمان دائماً وفياً للتفكيكية ووثيق الارتباط بها، وهو أكبر ممثلي هذا التيار التصميمي المميز في المشهد المعماري العالمي وقد عدّ نتاج آيزنمان بمثابة تجسيد معماري مباشر لمذهب التفكيكية الفلسفي، ولم يشعر يوماً بالحرج من هذا الوصف (السلطاني، 2005)، وإنما كان يشهر إخلاصه للتفكيكية بصورة واضحة لا لبس فيها في العديد من المقابلات التي كانت تجرى معه، وفي كثير من المقالات التي كتبها. وحتى الكتب التي ألفها كانت حافلة بأجواء انتمائه وفخره باللتفكيكية. كما أتيحت له فرصة إجراء مجموعة من المحاورات الهامة مع ديريدا نفسه لتطوير رؤية للعمارة المعتمدة على جوهر الفكر التفكيكي.

لقد انحاز “آيزنمان” الى أطروحات التفكيكية. و بدأت تظهر تباعاً أعماله المميزة العاكسة للنهج التفكيكي. وتابعت الأوساط المعمارية جيداً دراساته التصميمية العديدة عن تقصي عمارة جديدة لـ”بيت سكني” (لنتذكر البيت الثاني 1969-1970، والبيت السادس 1972-1975، والبيت العاشر 1975)- والتي من خلالها داوم على إثراء الخطاب المعماري مابعد الحداثي بأشكال جديدة متأسسة على منطلقات غير مألوفة في إعادة “تأويل” جذري لمفهوم البيت السكني وشكله التصميمي كما تروج لذلك التفكيكية.

ثمة مشاريع عديدة صممها “بيتر آيزنمان” في الثمانينيات والتسعينيات منها على سبيل المثال مركز “وكسنير” للفنون البصرية (1983-1989) في أوهايو/أمريكا، مشروع “بيوسنتروم”(1987) في فرانكفورت/ألمانيا، مشروع دارة “غوارديولا”(1988) في قادس/إسبانيا، ومبنى مقر شركة “نونوتاني (1990-1992) في طوكيو/اليابان، ومشروع مبنى “ماكس رينهار “(1992) في برلين/ألمانيا، وكذلك مشروع متحف “دو كاي برانلي “(1999) في باريس/ فرنسا وغير ذلك من المشاريع المنفذة وغير المنفذة يوحدها جميعاً قراءة آيزنمان المعمارية الخاصة للتفكيكية (السلطاني، 2005)؛ إنها علامات بارزة في منجز هذه المقاربة كما أنها مشاريع اعتبرت وفق رؤى كثر من النقاد المتابعين لعمارة ما بعد الحداثة أحداثاً على درجة عالية من الأهمية في السجل المبنى لتلك العمارة عموماً.

والأكثر أهمية أن “بيتر آيزنمان” لم يقصر إيمانه بالفكر “التفكيكي” على الممارسة التصميمية التي أنتج من خلالها مباني اعتبرها كثير من النقاد المهتمين بمنزلة أحداث ذات أهمية خاصة في المشهد المعماري؛ وإنما تعداها إلى الجانب الأكاديمي، حيث نشط آيزنمان “المعلم” والأستاذ الجامعي البارز في الترويج للتفكيكية عبر محاضراته ولقاءاته الدائمة في الوسط التعليمي، ومن خلال إصداراته الكتابية العديدة ومؤلفاته، التي روجت لتلك المقاربة التصميمية التي تحظى الآن على إعجاب وتعاطف كثر من المعماريين التواقين لإثراء الخطاب المعماري العالمي وتنوع مصادره.

ملاحظة ختامية : مستقبل التفكيكية وميلاد معماري القرن 21 إن التفكيكية التي نادت بموت المؤلف وميلاد القارئ في الإبداع الأدبي قدمت مساهمة جذرية للعمارة والمعماريين وأعتقد بصفة خاصة أن التفكيكية قد أعلنت عن ميلاد معماري جديد للقرن الجديد أو للألفية الجديدة. هذا المعماري تخلص من أحاديات العمارة السابقة كالتركيز على الوظيفة فقط أو الإنشاء أو حتى التجربة الجمالية والفراغية الكلاسيكية المعروفة النهاية التي لا تحمل دراما المفاجأة كما أنها لا تعنى بقراءة المتلقي وكيفية اندماجه واختباره للفراغ أو الحيز المعماري. إن ما فعله جاك ديريدا للمعماريين يمكن وصفه بعملية تحرر غير مسبوقة أنتجت وستنتج للمجتمع الإنساني في كافة بقاع الأرض عمارة جديدة قد نختلف عليها، ولكننا لا يمكن إلا أن نتفق على جرأتها وحضورها وإثارتها للفكر وللتساؤل وهذا هو جوهر الإبداع.

بقلم الدكتور علي عبد الرؤوف أستاذ العمارة والعمران في جامعة قطر

المراجع والقراءات المختارة البنكي ، محمد احمد. التفكيك بوصفه زئبرية مجلة اوان عدد 2 عام 2003 ص: 134- 143. السلطاني ، خالد تيارات عمارة ما بعد الحداثة: التفكيكية. راجع موقع المعماريين العرب 2005. المرتجي ، أنور. جاك ديريدا: فيلسوف نظرية الكتابة والتفكيك. مجلة ثقافات ، إصدارات صيف 2003 ص: 162-168 ديريدا ، جاك. الكتابة والاختلاف ، ترجمة كاظم جهاد. (دار توبقال للنشر والتوزيع، الدار البيضاء المغرب 1988 حمودة ، عبد العزيز. المرايا المحدبة من البنيوية الى التفكيك. سلسلة عالم المعرفة ، المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب، الكويت. 1998. رافيندرن، س. البنيوية والتفكيك، تطورات النقد الأدبي. ترجمة خالدة حامد دار الشئون الثقافية العامة ، بغداد 2002  Neil Leach, Rethinking Architecture a Reader in Cultural Theory, Routledge, London, 1997.  Jonathan A Hale, Building Ideas an Introduction to Architectural Theory, John Wiley & Sons Ltd, Chichester,England,2000.  Mark Wigley, The Architecture of Deconstruction, Derrida’s Haunt, MIT press, USA, 1993.  Fredrik Nilsson, ‘philosophy and the development of architectural thinking’-congress CATH04, http://www.leeds.ac.uk/cath/congress/2004/programme/abs/114.shtml.  Peter Noever, Architecture in Transition, Between Deconstruction and New Modernism, Prestel, Munich, 1991.  Jonathan Glancey, 20th C Architecture, The Structures that Shaped the Century, Carlton Books ltd., London, 1998.  Kate Nesbitt, Theorizing a New Agenda for Architecture, An Antology of Architectural Theory 1965-1995, Princeton Architectural Press, New York, 1996.  Jeffrey Kipnis and Thomas Leeser, Choral L Works, Jacques Derrida and Peter Eisenman, The Monacelli Press, Inc., New York, 1997.  Bernard Tschumi, Architecture and Disjunction, the MIT Press, London, 1996.  Jonathan Culler, On Deconstruction, Theory and Criticism after Structuralism, Cornell University Press, USA, 1983.  Jonathan Loesberg, Aestheticism and Deconstruction, Pater, Derrida, and de Man, Princeton University Press, USA, 1991.  Peter Eisenman, Peter Eisenman, Diagram, Diaries, Thames and Hudson Ltd., UK, 1999.  Aaron Betsky, Zaha Hadid, The Complete Building and Projects, Rizzoli International Publications, Inc., New York, 1998.

 http://jamesfaulconer.byu.edu/deconstr.htm  http://www.hydra.umn.edu/derrida/sign-play.html  http://lucy.ukc.ac.uk/simulate/derrida_deconstruction.html  http://www.public.asu.edu/~jchakrab/deconstruction.pdf  http://www.gardenvisit.com/landscape/architecture/18.2-metaphysics-parc-villette.htm  http://www.andrew.cmu.edu/user/atk/peter%20eisenman.pdf  http://www.designboom.com/eng/interview/eisenman.html

للتواصل مع الدكتور علي عبد الرؤوف [email protected] أو [email protected]

إقرأ ايضًا