الصين قبل العمارة

4

مأخوذ عن عمود غي هورتن الأسبوعي حامل عنوان The Indicator، والمختص في التركيز على ثقافة وأعمال واقتصاد العمارة

لقد كانت رحلتي الأولى إلى الصين في عام 1988، ولسخرية القدر، تم في نفس هذه السنة تطبيق إستصلاحات شاملة للأراضي من قِبل الحكومة هناك، فقد كان الأمر بمنتهى البساطة، وأشبه بسلسلةٍ ضخمة محفزة، على الرغم من أن الانتشار الكامل لتلك السياسات في ذلك الوقت لم تكن مفهومةً تماماً.

بشكلٍ عام، قد تم استبدال القوانين المتعلقة بإدارة الأراضي، فقد كانت ملكية كل الأراضي -وما زالت- للدولة. إذ ما من ملكيةٍ خاصة في الصين، فقد محى عام 1949 هذا المفهوم من التاريخ. ومع تغيرات السياسة، التي تزامنت مع إصلاحاتٍ اقتصادية كبرى، كان بالإمكان بيع حقوق استخدام الأراضي في سوق العقارات شبه الخاصة.

قد كان لي في الثمانينات شيءٌ واحدٌ مشترك مع الصين؛ وهو عدم اهتمام تام بالعمارة. إنه أمرٌ مفاجئ، أعلم ذلك. لكن العمارة كانت ببساطة مجرد خلفية، أي النظير البيئي لموزاك، وقد كنت واعٍ لهذا الأمر، ولكن بطريقةٍ غير شخصية وأكثر انفصالاً، ودون أية حاجة لممارسة أية سلطة معمارية على محيطي. وهنا أيضاً أمرٌ مفاجئٌ آخر؛ لم أكن بحاجة لترشيح كل شيء ضمن سياق العمارة.

وهكذا توازي تجربتي نماء الصين الماضي وصلتها بالعمارة: فعلى الرغم من أن أياً منا لم يفكر كثيراً بالماضي، قد أصبحت الآن شيئاً معرفاً لنا.

تم تأجير أراضي الدولة لمدةٍ محدودةٍ لوحدات عمل وجماعات تحت حكم النظام القديم. بعدها قررت هذه الجهات الإدارية الصغيرة كيفية استخدام أراضيها المؤجرة. وهكذا حظي جميع المواطنين بسكنٍ تديره الدولة، الأمر الذي عنى أن يكون لسكان المدن شقةً إسمنتيةً مسلحة، حيث عُرف هذا النظام بزبدية الأرُز الحديدية بين المسنين القادرين على تذكر الحدث، الذي لا يشتاق إليه أحد.

قد يكون بإمكانك تخيل أنواع العمارة التي ولدها هذا النظام، إنه نفس التصميم الإسمنتي المسلح صندوقي الشكل المنتشر في شتى أرجاء الدول النامية وخاصةً في دول الاتحاد السوفييتي السابق. فإن لم يكن أحداً قد قام بالأمر مسبقاً، على أحدهم أن يحصل على إذنٍ ويوثّق جميع هذه الأبنية المنتشرة حول العالم، فقد يشغلك هذا الأمر لبعضٍ من الوقت.

وفي إحدى الحقب الزمنية، كان هذا هو شكل العمارة في الصين، فهذه المباني كان وظيفية ونفعية، إذ تم تصميمها من الألواح الإسمنتية مسبقة الصنع لتكون مرنة وسهلة الصيانة، حيث تمتد كل الأنابيب على كسوة المباني الخارجية الأمر الذي جعلها أشبه بمشعاتٍ هائلة الحجم، وفي الواقع كانت تتم تدفأتها بواسطة المياه الساخنة التي يتم ضخها من محطات المراجل التي يتم تغذيتها بنيران توقد من الفحم في محطات توليد الطاقة.

وبشكلٍ عام لم يزد ارتفاع هذه المباني عن خمس طوابق كحدٍ أقصى، وذلك كي لا تحتاج إلى مصاعد، كما أنها عادةً ما كانت تتضمن داخلها دورات مياه عامة ومناطق للطبخ، أما عن النوافذ فقد كان لها أطر خشبية بدائية (جميعها مطلية بالأخضر لسبب ما) ومزودة بزجاجٍ بسماكة الورقة، وعن العزل، فلم يتواجد في أي مكان سوى في الإسمنت المسلح.

قد عشت شخصياً في مبنى من هذا النوع، وفي إحدى الصباحات الشتوية توقفت شاحنة إفراغ القمامة أمام الباب الأمامي، وأفرغت جبلاً من الفحم هائل الحجم لدرجة أنه وصل حتى مستوى الطابق الثاني مغطياً الدرج، وفي هذا الوقت كنت أعيش في الصين، لذا لم يصدمني الأمر على الإطلاق، فهذه هي فرصتي لأخذ حمامٍ ساخن وملء خزاني بالماء الساخن، لذا أمسكت مجرفةً وساعدت الحارس على تنظيف الممر. تماماً كالثلج الأسود.

قبل العمارة، كان هناك آلاف المباني المشابهة لهذا المبنى وقليلٌ جداً من السيارات، فمعظم الناس كانوا يتنقلون من مبنى إسمنتي مسلح إلى آخر بواسطة الدراجات، أما النساء فقد كنّ يجلسن بشكلٍ جانبي على صندوق الدراجة المتوضع فوق العجلة الخلفية متشبثاتٍ بخصر صديقهم أو زوجهم النحيف. في بعض الأحيان كن لا يتمسكن بشيءٍ على الإطلاق، بل يتكفين بالجلوس بشكلٍ ضعيفٍ على مؤخرة الدراجة بينما تشق طريقها مسرعةً. أما أن فقد اعتدت أن أجول بدراجتي حاملاً آلة التصوير الخاصة بي لألتقط الصور هنا وهناك.

أتذكر الكثير من الأشجار التي كانت تنمو مع قدوم الربيع، فقد كانت الشوارع مرصوفةً بالأشجار، كما كانت عريضةً ومليئةً بشكلٍ عام براكبي الدراجات والجرارات الدخان الأسود والبرتقالي الغريب المنتشر في كل مكان، بالإضافة إلى حافلات الأكورديون.

ومع ركوب الدراجة فإنك تعتاد بشكلٍ سريعٍ على الابتعاد عن الحافلات كي لا تدهسك حشود الناس المتدافعة للوصول إليها.

أما في الليل، فقد كانت المدينة تلتمع بأبنيتها منخفضة الارتفاع بلونٍ برتقالي في شبكةٍ كهربائيةٍ ذات قدرة متدنية. في الوقت الذي تكون فيه الشوارع فارغةً للغاية لدرجةٍ تجعلها تبدو وكأنها منتزهاتٍ للمشاة، حيث اعتاد الناس على سرقة أغطية حفر المجاري لتذويبها، فعادةً ما كان ذلك يحدث ذلك أثناء الليل تحت الأضواء البرتقالية الخافتة لأعمدة الإنارة الفولاذية وفي بعض الأماكن المعتمة تماماً، حيث تسمع حفيف صوت الدراجات الهوائية يقطعها أحياناً صوت أجراسها برررينغ برررينغ، وصوت رجالها وهم يسرقون ويبصقون غبار الفحم.

وقد وجدت نفسي أقوم بنفس الفعل الشائن بعد بضعة أشهر، فقد كنت أريد أن أعرف إلى أي مدى يمكنني أن أجعل كرة البلغم السوداء تطير بعيداً.

قد كانت الصين قبل العمارة بعدة أشكال عبارة عن وهمٍ رومانسي، كما كانت مختلفة كثيراً عن البيئات التي أتيت منها، وحتى اليوم، ماتزال الصين مختلفة جداً، ولكن منطق وإحساس بيئاتها المبنية قد أصبح الآن أكثر تميزاً وقابليةً للتوقع، فقد كانت الصين فيما مضى مكاناً أجنبياً للحداثة والاختلاف والأمور غير المتوقعة أكثر منها عرضاً للتحول الثقافي والمادي.

والآن، عندما أنظر إلى العمارة الجديدة، ومعظمها فارغ، أتساءل في نفسي إذا ما كان هذا أشبه بالعواصف الرملية التي هبّت فيما مضى على مدى آلاف السنين، فكل عام تأتي هذه العواصف لكنها لا تغير شيئاً، إنه الموسم الخامس، ومرحلةٌ من مراحل البيئة.

لا أستطيع إلا أن أتساءل إذا ما كانت العمارة الموجودة حالياً في الصين هي الموسم السادس، اصطناعية ومعلقة على نهاية الشيء الحقيقي, طبعاً، ستعرف إذا ما عشت في عاصفة من عواصف بكين الرملية أنه أمرٌ حقيقيٌّ تماماً؛ ولكن وعلى الرغم من ذلك، عندما ينجلي الرمل كلياً لا يتغير شيء، ويُنسى الأمر كلياً.

هناك الكثير من الأساليب المعمارية والنوعيات والأحجام لدرجةٍ تجعل تعريف وماهية العمارة “الصينية” أمراً مستحيلاً، فقد يكون من الأسهل أن نحدد ما كانت عليه، ولكن الآن أصبح كل شيء خيالياً، فألوان أبنية ستيفن هول المائية باتت تُبنى في الصين، وإن كان هنالك أحدٌ ينوي بناء إحدى تصاميم شركة Xefirotarch المعمارية، فستحظى الصين بالموافقة قبل أن تنال أياً من الدول الأخرى أية إيماءة.

كما أن هناك الكثير من الأنواع المعمارية التي باتت تختفي وبكل بساطة الآن أمام ناظريك، حيث تبقى وتتفرد الأشياء القديمة وغير الرسمية؛ قد يكون هذا الأمر صحيحٌ نسبياً، فعندما يأتي الغربيون إلى الصين تجدهم يبحثون عن أشياء محددة تتطابق مع صورة الصين في مخيلتهم، وعادةً يكون مثل هذا الأمر شيء تقليدي أو ارتجالي -إما قديم يتحلى بالعظمة والهيبة أو جديد وفوضوي قليلاً، أي مجنون بعض الشيء- فلطالما كانت الصين هي المكان الذي نذهب إليه ونجد شيئاً آخر، شيئاً مغايراً.

في الوقت الحالي، يبقى تعريف الأمر الحقيقي في الصين غير ثابت، فبالنسبة للعديد من أعضاء المجتمع العمراني يكمن تعريف الأمر الحقيقي في التغيير الدائم والمستمر الذي يتضمن التحولات الجذرية لبيئاتهم المادية، فهناك إحساسٌ بعدم ثبات أي شيء، حيث غالباً ما يُنتقد سائقي سيارات الأجرة لعدم معرفتهم الطرقات بشكلٍ جيد، إلا أن الحقيقة أن لا أحد يعرف طريقه بعد الآن -على الأقل جغرافياً- فلا قيمة للخرائط هنا، وفي كل مرةٍ أعود فيها إلى الصين أحاول معرفة طريقي تماماً كالجميع.

إقرأ ايضًا