دريدا… للمعماريين

28

أذكر،، تلك الكراسات التي “غزت” الأسواق في عقد الستينات، والمطبوعة في سنين نهاية الخمسينات بمطابع مصر، قبل أن “تتلقفها” مطابع لبنان، وتنشرها على نطاق واسع؛ وأعني بها كراسات “تعلم اللغات الأجنبية بسبعة أيام، ومن دون معلم!”، بقطعها الصغير المميزّ (A5)، وبعدد صفحاتها القليلة المتواضعة.

وفيها، في تلك الكراريس، وعدّ مؤلفوها “خاتمي” قراءتها، النطق والفهم والمحادثة مع “الآخر”: الغريب والأجنبي، بلغته الأم، في ظرف أسبوع لا غير، من قراءة استذكارية لتلك النصوص. إذ، بعدها سيدرك “خاتمو” القراءة ما معنى: <بنجور>، أو <غود مورننغ>، أو < دوبري اوترا>، أو< غو مون>، أو <صبح به خير>، أو <غونايدين>، أو <بونيس دياس>، أو <كليميرا>، أو <يوني تو>؛ وغيرها من الكلمات المرادفة التى تعني تحية الصباح بلغات العالم المتنوع والفسيح! وهي هنا تحديداً: الفرنسية، والإنكليزية، والروسية، والدانمركية، والفارسية، والتركية، والإسبانية، واليونانية، واليابانية.

شيئاً ما يماثل تلك الكراريس، أو بالأحرى “فكرة” تلك الكراريس يعاد “إنتاجه”، ولكن بصيغة أكثر جديّة، وأكثر رصانة، وبأكثر فائدة حقيقية، من قبل جامعة نيوكاسل في المملكة المتحدة، ومن خلال سلسلة (المفكرون لأجل المعماريين) Thinkers for Architects.

إنها سلسلة من عدة اصدارات، تقدم رؤى المفكرين متنوعي الاهتمامات إلى المعماريين. إذ لطالما تطلع الأخيرون، نحو الفلاسفة والمنظرين باهتمام زائد، طمعاً في الحصول على الهامات تصميمية، أو تقصي مقاربات نقدية تضيء طبيعة الممارسة المعمارية.

وتنزع هذه الإصدارات إلى تقديم نتاج المفكر ورؤيته للعمارة بصورة سريعة ومكثفة. وكل كراس منها مكرس إلى أحد المنظريين أو الفلاسفة الذين تعاطوا مع الشأن المعماري. ويشير معدو الإصدارات بأن معظم كتابات الفلاسفة، لا تخلو من تعقيد، ولهذا، فإن هدفها، يكمن في تقديم نص مفهوم ومركز وواضح، تكون قراءته سهلة، وتساعد المعماريين على إدراك الفكرة الفلسفية بيسر، في ذات الوقت تحث جمهرة المعماريين في الخوض بعمق في كتابات الفلاسفة المؤثرين، من أجل إغناء ثقافة المعمار التي يتعين أن تكون متنوعة.

في كراس رقم 7، من سلسلة إصدارات “المفكرون لأجل المعماريين”، مكرس إلى صاحب الرؤى التفكيكية جاك دريدا (1930-2004)، بعنوان (دريدا للمعماريين) Derrida for Architects. وقد كتب نصوص الكراس “ريجارد كوني” Richard Coyne، وهو معمار وبروفسور ورئيس مدرسة الفنون والثقافة والبيئة في جامعة ادنبرة. درّس نظرية العمارة في مدارس معمارية مختلفة، وله اهتمام خاص في النظرية التصميمية وعلاقتها بالميديا الرقمية، وقد كتب ونشر عدة كتب في هذا الشأن التنظيري الجديد.

يتضمن الكراس إياه، الذي جاء بـ 115 صفحة من القطع الصغير A5 (هل يذكركم مثل هذا القطع، بقطع كراس ما؟!)، يتضمن مقدمة السلسلة، واستهلال، ثم أقسام الكراس، (الفصول، إن شئتهم)، وهي بالترتيب الآتي: الأول المعنون، تأمل حول العمارة، والثاني: اللغة والعمارة، والثالث: التناص والاستعارة، والرابع: دريدا حول العمارة، والخامس: الأمكنة الأخرى، والسادس، الأخير: دريدا والممارسة الراديكالية.

ويعقب ذلك كله قائمة بمراجع مهمة ومختلفة ووافية، إذ يصل عددها إلى 174 كتابا يتعلق بموضوعة الكراس!. وقد احتوت جميع الأقسام (الفصول) الستة على عناوين فرعية، تركزّ على الناحية الفلسفية من كتابات دريدا حول العمارة. وجميع مواضيع أقسام/ فصول الكراسات ذات أهمية معرفية بالغة للمعمار، إذ أنها تضيء الجانب الفلسفي للممارسة المعمارية، من قبل مفكريين لهم حضورهم المشهود في الخطاب الثقافي والمعرفي.

كما أنهم، جميعهم، ليسوا بمعماريين، ما يضيف بعداً آخراً لادراك “العمارة” من وجهات نظر أخرى، مسبغين عليها مفاهيم جديدة ورؤى جديدة. ورغم إن اهتمامات دريدا منصبة، كما هو معروف، حول اللغة، فإن أفكاره قد تم تطبيقها من خلال المنظريين المعماريين بصورة واسعة. ويسعى هذا الكراس إلى تبيان تفاعل دريدا مع العمارة، بالطريقة التي تمارس الأخيرة فعلها. أي إن غاية الكراس وهدفه يكمنان في عرض أصداء الفكر التفكيكي معمارياً.

“كيف يمكن لتأثيرات دريدا أن تعمل؟” – يتساءل ريجارد كوني، مؤلف كراس رقم 7، في فصل “تأمل حول العمارة”- ويشير بأن قراءة دريدا، ليست ذريعة أو باعثاً للمعماريين لتغيير ممارساتهم المهنية. ولكن في تأمل النماذج، يمكن أن نرى تدّخل الكتابات الفلسفية، (مثل تلك التي تعود إلى دريدا نفسه)، كعقد في نسيج التأثيرات.

لقد لمح دريدا في لقاء معه، إلى طريقة عمل النص، أو أفكار الإنتاج المبدع الذي يمكن لهما أن يتفاعلا. وفي هذا السياق يمكن التذكير بعلاقته مع المعمار بيتر آيزنمان. “لقد أعطيت بيتر آيزنمان نصاً– يقول دريدا في عام 1989- وبطريقتة الخاصة، فإنه شرع بعمل تصميم، بدا وكأنه ذا علاقة مع ذلك النص، لكنه مابرح أن ظل مستقلاً عنه في الوقت نفسه. لقد كان ذلك بمثابة مشاركة حقيقية- لم يكن هناك “استخدام” (مباشر) لعمل الآخر، الاستخدام المعني في خلق أشكال توضيحية أو تجميعية منه… ولذلك فإن ثمة نوعاً من الشفافية كانت حاضرة، أو، وكما أود أن أقول، كان هناك حوار مثمر بين مهتميّن، بين نمطيّن، وبين شخصّين أيضاً”.

أجد، شخصياً، متعة في قراءة القسم الثالث من الكراس، والمعنون “التناص والاستعارة” Intertextuality and Metaphor. فالتناص موضوع محبب لديّ؛ وسبق وإن أصدرت كتاباً عنونته “تناص معماري”. لكن تناص(ي)، هناك، غير “ديريدوي” محض. إنه أقرب إلى أفكار “يوليا كريستيفا” (1941)، التي نحتت ذلك المصطلح، وأعطته معناه الذي يعبر عن مفاهيم نقدية تدلل على أن النص، هو في الحقيقة، عصارة من التفاعلات والتعالقات النصية، التي تتم على المستويين: الدلالي والشكلي.

والتناص، أيضاً، كما يشير إلى ذلك أحد المؤلفيين، بأنه مجموعة من الأصوات والإحالات التي تنصهر في النص بطريقة واعية أو غير واعية، أو هو التداخل النصي بصورة عامة. وهو، إضافة إلى ذلك، فإنه تقنية فعالة وإجرائية في فهم النص وتفسيره. وآلية منهجية في مقاربة الإبداع وتشريحه قصد إثرائه بالدلالات الظاهرة أو المضمرة. وهو ما سعيت وراء تحقيقه في ذلك الكتاب، عبر قراءة عمارة منتجة من قبل “مؤلفين” / مصممين آخرين، ومخصصة إلى مكان آخر، وثقافة أخرى.

يشير “ريجارد كوني” في ذلك الفصل من الكراس، بأن دريدا تبنى استراتيجية آسرة ومثيرة للفضول، في تقديمة حالة النظرة الجديدة إلى “اللغة” وإلى “المجاز” المستليتيّن من خيمة البنيوية. وأثناء عمله (عمل دريدا)، يستطرد كوني، كشف عن مقاربة تدلل على فعل الإزاحة، وقراءة النصوص، والتبادلية، والتطور الإبداعي، والتي يمكن لها أن تمتد إلى مناطق إبداعية أخرى، بضمنها العمارة.

في الفصل الرابع والمعنون “دريدا حول العمارة”، ثمة إشارات مطولة إلى نتاج المعمار “برنارد جومي” (1944) Bernard Tschumi، كأحد المصممين الأوائل الذين تبنوا النهج التفكيكي كمقاربة تصميمية مميزة، هو الذي درس العمارة في زرويخ، وامتدت ممارساته المهنية لاحقاً، لتصل باريس ولندن ونيويورك. ويذكرنا مؤلف الكراس، بأن “جومي” راقب عن كثب تنفيذ مشروعه المثير للجدل: “بارك دي لا فيلت” بضواحي باريس، في موقع كان في السابق . وهو المشروع الذي فاز، في وقته، في مسابقة معمارية دولية.

لقد تضمن تصميم البارك على قناة طويلة، مع “إكساء” موقعه وتغطيته بمخطط لشبكة متسامتة Grid، تم تأشير تقاطع خطوطها “الوهمية”، عبر “بنى” من الهياكل المعدنية، المطلية باللون الأحمر القاني. وقد دعى جومي هذه البنى بـ “الفولي” Follies. ويعطي مدلول الكلمة الأخيرة، بحسب صاحب المورد، معنييّن: أولهما “الحماقة أو الفكرة الحمقاء، وثانيهما: مبنى باهظ النفقات، يتعذر على صاحبه إتمامه! (وكلا المعنيين ينطبقان على فكرة “حضور” تلك في تصميم البارك إياه!).

وبما إن التفكيكية تعيد إنتاج نفسها في العمارة عبر “التأييد” و”النقد” كليهما؛ فإن فكرة “جومي” للبارك كانت تسعى وراء الأخذ في أيدي الفنانيين والكتاب والمصممين معاً، نحو حالة من “التبادلية الثقافية”. “… كانت الفكرة الأساسية للبارك –يتذكر برنارد جومي في كتابه الذي أصدره عام 1997- الإتيان بأنظمة متنوعة، وتأسيس عمليات انتقال وعبور. وفي الطريقة ذاتها، ومن خلال عملي السابق، كأستاذ في مدرسة “الجمعية المعمارية” AA بلندن، وفي جامعة برينستون بأمريكا بمنتصف السبعينات، كنت أعطي طلابي نصوصاً عائدة إلى: كافكا، وكالفينو، وهيغل، وجيمس جويس وغيرهم من الكتاب كبرامج لمشاريع معمارية”.

لا تفتأ قراءة كراس “دريدا للمعماريين”، تمنح متعة معرفية إلى قارئها المعماري. إنها متعة الاطلاع على فكر نيّر، ومتوثب، وشيق، وأحياناً صادم. لكنه في جميع الأحوال، رصين وجدير بالقراءة والاهتمام. فضلاً على إن مهنة كاتب الكراس، وقارئ أفكار دريدا: معمار، وهو لهذا يعرف كيف يمكن له أن يؤول المقروء ويفسره، ليضحى جزءاً من المعرفة المعمارية، الواجبة الاطلاع.

وإذ نقول هذا، هنا، تخطر في بالنا، إحدى الكتابات الجادة، وأيضاً الشيقة، التي أُنجزت في مدرسة العمارة بجامعة بغداد بمنتصف التسعينات، عن موضوعة التفكيكية في العمارة. وهي أطروحة ماجستير، أعدتها المعمارة “راستي عمر الخفاف” في سنة 1996. إنها جهد مميز، وغني بمعلوماته عن التفكيكية وتطبيقاتها المعمارية؛ ومابرحت تلك الرسالة، كما أرى، تحتفظ بأهميتها ومنفعتها وراهنيتها أيضاً، وياليت “راستي” سمعت نصيحتي التي كررتها على مسامعها، غداة اطلاعي على رسالتها، (كأحد المناقشين لتلك الأطروحة)، بضرورة إصدارها في كتاب مطبوع. أحدس بأنه سيكون، من دون أدنى شك، ذات فائدة قصوى، للمعماريين وللقراء الآخرين متنوعي الاهتمامات الثقافية، الذين يسعون للتعرف على المقاربة التفكيكية، وتطبيقاتها المعمارية.

وخلاصة القول، أن الفكر الفلسفي، ومهام التعرف عليه، كان دائماً، عوناً للكثير من المعماريين: الممارسين والمنظرين منهم. من هنا، تلك، الأهمية المعرفية لهذه الاصدارات، التي تتوخى نشر المعرفة الفلسفية، وترسيخها في أوساط مهنية، هي في الحقيقة، بحاجة لها، لبلوغ مستويات مهنية متقدمة ومتميزة، في ذات الوقت، فإن تلك الكراسات تمنح الفعل المعماري المنجز معانٍ متعددة، لا تخلو من دلالات بعضها مباشر، والبعض الآخر يدخل في باب مجاز تلك الدلالات، وأحياناً ترميز لها!.

د. خالد السلطاني مدرسة العمارة/ الأكاديمية الملكية الدانمركية للفنون

إقرأ ايضًا