تركيبة “بحيرة فوهة البركان” المعمارية

3

بوحيٍ من الزلازل العنيفة التي لطالما هزت أراضي اليابان، وتحديداً الزلزال الذي أصاب مدينة كوبي في عام 1995، والذي خلف وراءه دماراً مروعاً للبيئة المبنية، وُلدت هذه التركيبة المعمارية.

“بحيرة فوهة البركان”، هذا هو اسمها الذي أطلقه عليها مصمموها أفراد فريق 24° Studio، حيث تأتي هذه التركيبة كمكانٍ مميز يحتضن لقاءات الناس ويجمعهم لمراقبة جمال البيئة المحيطة، والأهم من ذلك يؤكد على التفاعل الاجتماعي الدائم، الذي استطاع وحده دفع قاطني كوبي لاستعادة حياتهم وإحياء مدينتهم التي شوهها الزلزال العنيف.

تقع هذه التركيبة في منتزه شيوساي في جزيرة بورت آيلند الاصطناعية، فهناك يمكن لسكان المدينة التمتع بالإطلالة المبهرة على مركز كوبي العمراني وسلاسل الجبال المحيطة ومنظر البحر الواسع.

أما عن النية التصميمية فتتجسد في الاستفادة من هذا الموقع الفريد بأقصى شكلٍ ممكن، وذلك عن طريق خلق قطعة خشبية متماوجة تؤمن مشاهد متنوعة تتراوح بين المكشوفة والمغلقة، وتتمتع بإطلالة بانورامية كاملة على كل ما يحيط بها.

حيث يمكن الاستفادة من كل سطحٍ من أسطح التركيبة للجلوس والاستلقاء، هذا عدا طبعاً عن الكراسي المنخفضة المتوضعة وسط المساحة، والتي يمكن للمستخدم أن يراها ويدركها حسبما يروق له.

لكن عن تلك الأسطح المنحدرة اللطيفة، فلا يمكننا إلا أن نشعر بها وهي تدعونا على اختلاف أعمارنا للتفاعل مع بعضنا البعض، فهي أشبه بأداةٍ للعب، أو مساحةٍ للاسترخاء في الظل، أو حتى فسحة للتواصل والتفاعل ببساطة عبر الجلوس حسبما يحلو لنا.

إلا أن هذا الشكل لم يتم التوصل إليه بنفس هذه البساطة، فقد تم اختبار العديد من الأفكار والمواد للتوصل لتعقيد الشكل الناعم المتماوج؛ وبناءً على ذلك تم اختيار الخشب كمادة أساسية للبناء نظراً لتمتعه بقدرةٍ إنشائية عالية، ولسهولة التعامل معه ولسماته الطبيعية أيضاً.

ولكن مع كل هذه الإيجابيات واجه فريق العمل تحدٍّ هام تمثل في التوصل إلى هذه الأسطح الناعمة المستمرة دون استخدام تقنيات مكلفة كطي الخشب أو التصنيع الرقمي؛ وكان الحل في تقسيم السطح الدائري إلى عشرين قسمٍ قطري.

أما عن العوامل التي حددت عدد هذه الأقسام فيمكن تلخيصها بالتعبير العام عن السطح وجدول الإنتاج وطريقة النقل؛ وهكذا تم جمع الأقسام مسبقاً خارج موقع البناء، وتم نقلها فيما بعد بوساطة مركبة إلى الموقع المطلوب في منتزه شيوساي.

وقد تم استخدام الخشب العادي والمعدات الصلبة المتوافرة لإنشاء التركيبة، لتجنب اللجوء لعمليات التصنيع الخاصة المكلفة للغاية، حيث اعتمد المصممون على مسامير بقياس 2×4 في كافة العناصر الإنشائية، إلى جانب أسطح من خشب الأرْز المعالج بقياس 30×60 ملم، وتتألف بنية الأقسام القطرية من سلسلة من العوارض ذات الأشكال الحرة، مؤلفة من قطع مدعمة أفقياً ومثبتة بكلابات متقاطعة، ويتألف كل قسم قطري من 64 خشبة سطحية، تم ربطها بثلاثة عوارض إنشائية ترتبط بقوةٍ مع بعضها البعض ومع الدعائم الأفقية.

الجدير بالذكر هنا هو قيام فريق العمل بتقليل المسافة بين القطع الخشبية المتواجدة في الأسطح التي من المتوقع أن تتعرض لضغطٍ أكثر من غيرها، فكلما ارتفعت أجزاء التركيبة نحو الأعلى تتزايد المسافة الفاصلة بين الأجزاء الخشبية، مما يسمح للمستخدم بالتسلق على التركيبة بسهولة أكبر.

فارتفاع التركيبة بهذه الطريقة لم يكن اعتباطياً، بل كان نتيجةً لفهم عميق للموقع وللظروف المناخية، حيث من شأن هذا الجزء أن يؤمن التظليل المناسب من أشعة الشمس والحماية اللازمة من الرياح القادمة من الخليج بمجرد الجلوس في المنطقة الداخلية، وهذا ما معناه أن الشكل والوظيفة قد كانا هدفان متلازمان في تصميم هذه التركيبة المعمارية المميزة.

إقرأ ايضًا